يُعدّ الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور (1879–1973 ) من أبرز علماء التجديد في الفكر الإسلامي الحديث، وقد تميّز بموقفه المتوازن من السنّة النبوية؛ فهو لم يكن من منكري الحديث أو المتأثرين بالاتجاه القرآني الخالص، بل أكّد على مكانة السنّة في ضوء القرآن ومقاصد الشريعة من غير جمود على ظاهر النصوص ولا تعطيل لوظيفتها الحضارية، ولم يُعرف عنه أيّ خطاب عدائي تجاه الفرق الإسلامية المخالفة، بل ساد منهجه نزوع نحو الانفتاح والنقاش الهادئ، ما يجعل فكره مؤهلاً للمساهمة في مشاريع التقريب والوحدة الإسلامية.
تسعى هذه الورقة إلى استجلاء معالم المنهج العقلي والمقاصدي في تناول السيرة النبوية المباركة عند ابن عاشور، بالرجوع إلى مختلف كتاباته المتعدّدة ولعلّ أهمّها تفسيره للقرآن الكريم : " التحرير والتنوير" وكتبه المتعدّدة الأخرى ومن جملتها : مقاصد الشريعة الإسلامية ، أصول النظام الاجتماعي، قصّة المولد، أليس الصبح بقريب.
وتطرح هذه الورقة العلميّة الإشكالية الآتية :
كيف يوفّق ابن عاشور بين ثوابت السيرة النبوية كما وردت في القرآن الكريم، وبين الدعوة إلى إعمال العقل والمقاصد في فهم هذه السيرة بعيدًا عن الجمود أو التحريف؟