يسعى هذا البحث إلى مقاربة الهوية الإسلامية من منظور سيميائي عبر خطاب كتاب (محمد في مكة) للمستشرق البريطاني مونتجومري وَات، بوصفه خطابا مثيرا للجدل في طريقة تمثيله لشخصية الرسول ﷺ وبدايات الدعوة الإسلامية، وهو خطاب استثمر التراث العربي بصورة انتقائية؛ لتقديم الهوية الإسلامية.
ينطلق هذا البحث من فرضية مفادها : إنّ الهوية الإسلامية في الكتاب المسند للدراسة تخضع لثنائية التشكيل والتشويه، حيث يقدم الراوي صورة للرسول ﷺ في طور التكوين الروحي والفكري، لكنه في الوقت نفسه يدرج تأويلات وتفسيرات تضعف من صدقية التجربة النبوية، وتقلل من استقلالية الذات الفاعلة في إنجاز الفعل الرسالي.
اعتمدت الدراسة على آليات التحليل السيميائي (عوامل النموذج العاملي، مكيفات الفعل، المربع السيميائي) للكشف عن البنى السطحية والعميقة التي تحكم خطاب وات، وبيان كيف تتشكل دلالة الهوية الإسلامية في النص، وقد توصلت إلى أنّ التشكيل يتمثل في إبراز عناصر الهوية عن طريق السرد التاريخي لتجربة النبي محمد ﷺ في مكة (النشأة، التحنث، البعثة، الدعوة) بينما يظهر التشويه عبر إسناد الفعل إلى عوامل خارجية مثل (دور السيدة خديجة (عليها السلام)، والظروف الاجتماعية، والموروث الديني السابق) ؛ مما يضعف من الذات الفاعلة، ويجعلها من ذات مجردة من البعد الإلهي والذاتي إلى ذات مشروطة ذات بعد خارجي؛ وبهذا تكشف الدراسة عن المفارقة المركزية في خطاب الكتاب المسند للدراسة، فهو من جهة يعترف بفرادة الرسول محمد ﷺ في صياغة هوية الإسلام، ومن جهة أخرى يقدم سردا ينزع عن هذه الهوية بُعدها الإلهي؛ ليؤطرها ضمن سياق بشري/ اجتماعي صرف، والنتيجة أنّ الهوية الإسلامية في النص ليست هوية مشكّلة فحسب، بل هوية متنازع على معناها بين التأسيس الأصيل الثابت (القرآن الكريم)، والتأويل المشوه (الكتاب المسند للدراسة).